محمد جمال الدين القاسمي
480
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقفار وأشجار ، ونبات وزروع ، وثمار وحيوان ، ومعادن ومنافع ، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي في تعاقبهما ، وكون كل منهما خلفة للآخر ، بحسب طلوع الشمس وغروبها ، أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما انتقاص الآخر ، وانتقاصه بازدياده لَآياتٍ أي : لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته ، وباهر حكمته . والتنكير للتفخيم كمّا وكيفا ، أي كثرة عظيمة لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول المجلوّة بالتزكية والتصفية بملازمة الذكر دائما كما قال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 191 ] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي فلا يخلو حال من أحوالهم عن ذكر اللّه المفيد صفاء الظاهر المؤثر في تصفية الباطن . فالمراد تعميم الذكر للأوقات ، وعدم الغفلة عنه تعالى . وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر ، ليس لتخصيص الذكر بها ، بل لأنها الأحوال المعهودة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في إنشائهما بهذه الأجرام العظام ، وما فيهما من عجائب المصنوعات ، وغرائب المبتدعات ، ليدلّهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى ، فيعلموا أن لهما خالقا قادرا مدبرا حكيما ، لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها تعالى . كما قيل : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد روى ابن أبي الدنيا في ( كتاب التوكل والاعتبار ) عن الصوفيّ الجليل الشيخ أبي سليمان الدارانيّ قدس اللّه سره أنه قال : إني لأخرج من منزلي ، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت للّه عليّ فيه نعمة ، ولي فيه عبرة . وإنما خصص التفكر بالخلق ، للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته . خرّج ابن أبي حاتم من حديث عبد اللّه بن سلام : لا تفكروا في اللّه ، ولكن تفكروا فيما خلق ، وله شواهد كثيرة . قال الرازيّ : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس ، ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم ، كما قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ